عبد الرحمن بن ناصر السعدي

42

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

وقرت بها عينه ، وظن أنه قادر عليها ، فبينما هو كذلك ، إذ ذهب اللّه بنوره ، فزال عنه النور ، وذهب معه السرور ، وبقي في الظلمة العظيمة والنار المحرقة ، فذهب ما فيها من الإشراق ، وبقي ما فيها من الإحراق ، فبقي في ظلمات متعددة : ظلمة الليل ، وظلمة السحاب ، وظلمة المطر ، والظلمة الحاصلة بعد النور ، فكيف يكون حال هذا الموصوف ؟ فكذلك هؤلاء المنافقون ، استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين ، ولم تكن صفة لهم ، فاستضاءوا بها مؤقتا وانتفعوا ، فحقنت بذلك دماؤهم ، وسلمت أموالهم ، وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا ، فبينما هم كذلك ، إذ هجم عليهم الموت ، فسلبهم الانتفاع بذلك النور ، وحصل لهم كل هم وغم وعذاب ، وحصل لهم ظلمة القبر ، وظلمة الكفر ، وظلمة النفاق ، وظلمة المعاصي على اختلاف أنواعها ، وبعد ذلك ظلمة النار ، وبئس القرار . فلهذا قال تعالى عنهم : صُمٌّ ، أي : عن سماع الخير ، بُكْمٌ ، أي : عن النطق به ، عُمْيٌ ، أي : عن رؤية الحق ، فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه ، فلا يرجعون إليه ، بخلاف من ترك الحق عن جهل وضلال ، فإنه لا يعقل ، وهو أقرب رجوعا منهم . ثم قال تعالى : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ ، أي : كصاحب صيب وهو المطر الذي يصوب ، أي : ينزل بكثرة ، فِيهِ ظُلُماتٌ ظلمة الليل ، وظلمة السحاب ، وظلمة المطر ، وَرَعْدٌ وهو الصوت الذي يسمع من السحاب ، وَبَرْقٌ وهو الضوء اللامع المشاهد مع السحاب ، كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ البرق في تلك الظلمات مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ، أي : وقفوا . فهكذا حالة المنافقين ، إذا سمعوا القرآن وأوامره ونواهيه ، ووعده ووعيده ، جعلوا أصابعهم في آذانهم ، وأعرضوا عن أمره ونهيه ، ووعده ووعيده ، فيروعهم وعيده ، وتزعجهم وعوده ، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم ، ويكرهونها كراهة صاحب الصيب الذي يسمع الرعد ، فيجعل أصابعه في أذنيه خشية الموت ، فهذا ربما حصلت له السلامة . وأما المنافقون ، فأنى لهم السلامة ، وهو تعالى محيط بهم ، قدرة وعلما ، فلا يفوتونه ولا يعجزونه ، بل يحفظ عليهم أعمالهم ، ويجازيهم عليها أتم الجزاء . ولما كانوا مبتلين بالصمم والبكم ، والعمى المعنوي ، ومسدودة عليهم طرق الإيمان ، قال تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ ، أي : الحسيّة ، ففيه تخويف لهم وتحذير من العقوبة الدنيوية ، ليحذروا ، فيرتدعوا عن بعض شرهم ونفاقهم ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فلا يعجزه شيء ، ومن قدرته ، أنه إذا شاء شيئا فعله من غير ممانع ولا معارض . وفي هذه الآية وما أشبهها ، رد على القدرية القائلين بأن أفعالهم غير داخلة في قدرة اللّه تعالى ، لأن أفعالهم من جملة الأشياء الداخلة في قوله : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . [ 21 ] هذا أمر عام لجميع الناس ، بأمر عام ، وهو العبادة الجامعة ، لامتثال أوامر اللّه ، واجتناب نواهيه ، وتصديق خبره ، فأمرهم تعالى بما خلقهم له ، قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) . ثم استدل على وجوب عبادته وحده ، بأنه ربكم الذي رباكم بأصناف النعم ، فخلقكم بعد العدم ، وخلق الذين من قبلكم ، وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة ، فجعل لكم الأرض فراشا تستقرون عليها ، وتنتفعون بالأبنية ، والزراعة ، والحراثة ،